بحث

تعربف بقرية عين السلامة في مقاطعة اركيز


لقد شهدت ساكنة عين السلامة خلال العقود المنصرمة تحولات قوية ومطردة من حياة الظعن، (وما يرتبط بها من ثقافة توارثوها صاغرا عن كابر وأسسوا من خلالها أنماطا متميزة من التكيف مع بيئتهم)، إلى حياة الاستقرار و " التمدن" وما تفرضه من سلوك وقيم تختلف في أشكالها ومراميها عن ما كان مألوفا لدى مجتمع بادية الظعن، فأصبحت تعيش حالة انفصال عن ماضيها وفراغا كبيرا يصعب تحديد أبعاده كما يصعب ملؤه أو احتواؤه في ظل عولمة العصر.

إن الأمر يتعلق، في أحد مستوياته، بالتخلي عن حياة الظعن و النزعة إلى الاستقرار اضطرارا أو اختيارا، ولوصف مظاهر هذا التحول وتحديد أبعاده وتحليل أسبابه والنتائج الحاصلة منه ، يسعى هذا المقال إلى تناول ملامح هذا التطور من خلال إعطاء لمحة تاريخية و جغرافية عن المنطقة و التحول الذي حصل. لقد كان لسكان عين السلامة في الماضي ـ على قلة عددهم ـ حضور قوي في معظم مرافق الحياة، وقد لعبوا أدوارا اقتصادية وثقافية وسياسية مهمة تخصهم كباقي مجتمعات المنطقة الممتدة ( من آبار العقل إلى عيون الخط ) كحفر العقل والآبار و الحراثة بجوار تلك العقل وتوفر قدر من الأمن تطورت فيه و ازدهرت المحظرة و تنوع الانتاج الأدبي و الثقافي إضافة إلى ممارسة التنمية الحيوانية و الأنشطة التجارية الأخرى ، كلها عوامل كان لها الأثر الطيب على الاستقرار في تلك المناطق ( تنبلين ، بير البركة ، تن اظبيع ..... الخ)، غير أن ما انتاب المنطقة من تقلبات مناخية وعوامل أخرى أدت إلى تلاشي ذلك الاستقرار المتدحرج و الذي تحكمه أو تتحكم فيه التساقطات المطرية. ومن خلال نظرة بسيطة نلاحظ وجود علاقة ارتباط قوية سالبة (عكسية) بين المعدل السنوي للأمطار ونسبة سكان الحضر من مجموع سكان المنطقة أي أنه كلما نقص المعدل السنوي للأمطار في موريتانيا بصفة عامة يتناقص تدريجيا باتجاه الشمال فقد نقص معدل الأمطار نقصانا بينا خلال العقود الماضية بشكل أصبحت معه الحياة بالغة الصعوبة ، فغدا الاستقرار الحضري يفرض نفسه وهو الملاذ الذي يلجأ إليه السكان بعد أن غيض الماء وانعدم العشب، وهذان لا تستقيم حياة البادية بدونهما، فهلكت القطعان وغدا التمسك بالمجال الذي ألفوا ممارسة الانتجاع فيه بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلا. لقد فرض هذا الواقع على سكان مناطق ( بير البركة ، تنبلين ، ..... الخ) الاستقرار في مناطق الخط حيث تتوفر لهم رغباتهم وخاصة في منطقة احسي اعمر الملاصقة لعين السلامة من الشمال و ما حولها وكانت بداية ذلك الاستقرار المتذبذب في أواخر السبعينات من القرن الماضي حيث كانت هذه المنطقة ملاذا للسكان و استقرارا لهم في فترة الربيع والصيف و هجرتها في فترة الخريف إلى المواقع الأصلية لهم الآنفة الذكر. وفي بداية ثمانينات القرن الماضي و منتصفها كانت بداية الاستقرار الفعلي حيث تم حفر أول ( عين مياه) في المنطقة التي توجد بها عين السلامة سنة 1986م وربما أخذت أسمها من هذا المنبع و قيل إن من أطلق عليها هذه التسمية هو محمدن السالم بن حبيب الله بن سيدي الفالي شقيق الدكتور أحمد حبيب الله (المصباح( كما كانت أول بناية ثابتة مبنية بالاسمنت المسلح دار أهل محمد الأمين بن أحمد بن الحارث سنة 1987م و من ذلك الحين وهي لله الحمد تشهد نموا حضريا متزايدا ، فقد ارتفعت نسبة التحضر فيها بنسبة ملحوظة من سنة 1988م وحتى اليوم 2015 حيث أن كل المباني ثابتة و مبنية بمادة الاسمنت المسلح ، وكان العامل الأساسي لهذا النمو و الاستقرار الحضري هو تخلى الساكنة عن مظاهر الظعن و الانتجاع و تتبع مساقط الامطار والبحث عن الكلأ و استبدالها بالاستقرار و التقري و التحضر بالقرب من مراكز الخدمات الصحية و التعليمية والتجارية و الاتصالات العامة و محاور الطرق الرئيسية المنتشرة بين مدينة اركيز و روصو حيث سهولة الوصول ، إضافة إلى وفرة الغطاء النباتي وسهولة الحصول على المياه .

موقع عين السلامة الفلكي و الإداري :

تقع عين السلامة عند تقاطع دائرة العرض 16درجة و 53 دقيقة و 41 ثانية و خط الطول 15 درجة و 26 دقيقة و 41.5 ثانية وتتبع إداريا لبلدية التيكان التي تقع في الركن الشمالي الغربي منها وهي تابعة لمقاطعة الركيز . أما موضعها فهي تقع في منخفص (قود) شبه سهلي بين قريتي انواشار جنوبا و الجامع شمالا أما من الشرق والغرب في تقع بين كثيبين رمليين تقدر المسافة بينهما بكلم واحد يزيد قليلا و تبعد عن مدينة روصو60 كلم شمال شرقها و عن الركيز ب 23كلم جنوب غربه. أما من حيث الغطاء النباتي فهو متنوع من أشجار و نباتات عشبية من أهم الأشجار الموجودة بها القتاد المعروف بأروار إضافة إلى أشجار الاهليج ( تيشط) و المرخ ( تتارك) ، أما الطلح و السلم ( التمات) و البشام ( آدرس) و السرح (آتيل) و الأرط (اكنين) و العشر ( تورجه) فقد اختفت تقريبا من المشهد. أما النبات العشبي فيتكون أساسا من حشائش السافانا القصيرة " لكصيب " والتي تتكيف مع الفصل المطير القصير المدة من بضعة أسابيع إلى بضعة أشهر و تغلب على هذه النباتات العشبية فئة النجيليات التي تسمى ( إنيتِ). الحياة الثقافية: يوجد بعين السلامة اليوم جامع و محظرة يتلقى فيها أبناء القرية التعليم ما قبل المرحلة المدرسية و التدريس المحظري ، أما عن التعليم النظامي فأبناء القرية يدرسون فى مدرسة الجامع المرحلة الابتدائية ، وبعد ها يتوجهون إلى روصو لإكمال المرحلتين الإعدادية والثانوية أو نواكشوط للالتحاق بالمعاهد والجامعات ، أما من حيث الولوج للخدمات الصحية يبقى مستشفى روصو و مستشفيات انواكشوط هما الملجأ فى جميع الحالات الصحية لانعدام المواصلات مع اركيز وأحيانا يقتصر على مستشفى قرية التوفيق فى بلدية الخط مقاطعة المذرذرة ، على الحالات غير الحرجة ،أما عن النشاط التجاري يعتمد سكان عين السلامة أساسا على التجارة وا لتنمية.

يوجد بعين السلامة اليوم شباب من الجنسين حاصل على شهادات جامعية في مختلف التخصصات في الشريعة و القانون و اللغة وا لآداب و التاريخ و الجغرافيا والفلسفة ...الخ كما توجد بها أندية ثقافية و رياضية مثل نادي الاتحاد و نادي الإصلاح الثقافي و هو أول ناد تاسس فيها و كذلك نادي للفتيات يسمى نادي الإرشاد كلها تمارس أنشطتها على شكل أمسيات ثقافية و تربوية أو مسابقات أو مبارات رياضية هذ إضافة إلى نشرية يصدرها نادي الاتحاد كل ثلاثة أشهر تسمى الإشراق كما لها صفحة رسمية على الفيس بوك تهتم بجميع أخبار القرية سياسية و ثقافية . . . إلخ تحمل اسم " صفحة قرية عين السلامة بلدية انتيكان مقاطعة اركيز ", و قريبا ستبدأ قناتها على اليوتيوب ـ بإذن الله ـ في العمل و في الجانب الرياضي لها أربع فرق رياضية تجري مبارياتها كل سنة في فصل الخريف من أجل الحصول على كأس نادي الاتحاد كم تجري مباريات مع فرق القرى المجاورة . هذ و تشهد عين السلامة كل فصل خريف موسما ثقافيا مميزا يدوم قرابة شهر يختتم مع بدايات العام الدراسي .

و على الرغم من التحول الذي حصل فإن سكان عين السلامة لم ينفصلوا و لم ينقطعوا عن التعلق بالأماكن الأصلية لهم حيث كانوا دائما يدفنون في مدافنهم الأصلية في تنبلين و بير البركة ... الخ التي يوجد بها آبائهم و أمهاتهم و علمائهم و فقهاءهم مثل : الحارث ابن محنض ـ المتوفى عام 1905م ـ و سيدي عبد الله و اتفغ المختار ، و محمد سالم بن يامحمذ ين لبيد المشهور بالعلم و الرياسة المتوفي عام " النكظ" المدفونون في تنلبين و أحمدو بن احمد الحارث في بير البركة المتوفى عام 1987م و كذلك مدافن أهل أتفغ في بير البركة و غيرهم ......الخ على الرغم من المشقة و صعوبة التنقل ، غير أن الوضع و التغيرات التي حدثت خلال هذه الفترة كان لابد من مدفن قريب ليكون هو الآخر شاهدا على الاستقرار في منطقة عين السلامة فكان أول من دفن في مدفن عين السلامة هو العلامة والفقيه حماه الله بن الأمين بن الحارث سنة  1988م ومن الصبيان محمذن فال بن محمد الامين بن الحارث ومن النساء مريم بنت أحمدو بن أحمد الحارث سنة 1989. و أول مولود ولد فيها هو باب بن محمد بن بلاه أواخر عام 1987م .

و قد خلد اسم عين السلامة في الشعر بشقيه الشعبي و الفصيح فمن ذلك ما قاله الشيخ أحمد بن بباه في أبيات يستسقي بها من بحر الطويل :

عــســـى ربنــــــا أن يـسـقــي الـبلاد و أهلها

تــقـــر بــه عــيـــن الــســلامــة بــرهــــــــة

 

هـنــيــئـــا مــريــئــا مــــــــــاؤه يــتــدفـــــق

و تــــرمــــق بــه  فـــوق الــربــى يــتـفــوق

 

و كذلك الأستاذ محمد محمود ول أحمد الحارث عند بناء جامعها عام 1988م من بحر الطويل  .

لك الحمد ربـــي مبتــدأ بالتمام ـــ بنـاء عتـيــق جامــع للســـــــــلام

أقمنا بناءه بوقت منـــــاســــــب ـــ و بالبلدة البيضاء آل عين الســلام

فما هـــــــو إلا درة و جواهــــــــر ــــ و مرجانة مكنونـة بانـتـظــــــــــام

جعلنا له ركنا أساسا من التقـى ـــــ نـقـومـه بالـحلـم بـيـن الأنــــــــام

جعلنا كنزا شامخا بل و باقيـــــــا ـــــ لمجد تليد خالد بانتــظــــــــــــام

تذاكره الأقوام شرقا و مغربــــــــا ـــــ يسجله التاريخ صوب الأمــــــــام

بنيناه لا فخرا و لا لــتمــاثــــــــــل ـــ و إنما لتأدية الفرض المنوط المعام

و نسأل رب العرش اسعاف مسلم ـــ يصليه فرضا راكعا باهتمـــــــــــام

و مــغــفــرة مـــقـــرونــة بأمانـــــة - و مــال و أبــنــاء شهــــود كـــــــرام

و نسأله يمــنــا و خيــر إقامــــــة - و نسألــه الرضى و حســن الخــتــام

بجاه النبي الهاشمي محمـــــــد - عليه صــــلاة تامــــــة بالســــــــلام

 

كما ذكرها الأستاذ الشاعر و الأديب جلال الدين بن الشيخ أحمد بن بباه في مقطوعة شعرية له من فن ازريك منها :

إلى عين السلامة إن أتيت ــ فإني لا أظل و لا أبيت

لأني تارك خلفي همومـــا ــ و أشواقا بزفرتها صليت

و قال فيها أيضا :

حمدت لل من حمـــــد - لريام عندي ينعـــــد

و نلكآ أحمدو و أحمدو - لثنين نلكـــاهــــم لام

أنفاصل اشور اردو - و ليـــــم يم الزعام

و انكول كفان امكر- ما وحـــلت لغـــــرام

و انكول قصيد مر - و انجي لعين السلام

كما ذكرها سيدي عبد الله بن محمد الأمين بن أحمد الحارث في مطلع قصيدة له قالها بمناسبة مرور خمس سنوات على تأسيس نادي الإصلاح الثقافي منها :

 أيا عين السلامة أسعدينــــا ـــــ و ع القول الذي لا تسمعينا

شبابك قد رقى لسماء مجد ـــــ بنته مكارم الإسلام فـيـنـــا

و أضحى رافعا بين البـــــرايا ــــ لواء المجد والعلياء يمـيــــنـا

ملمات الخطوب و إن ألمت ــــ به هانت لصبر لن يهــــونـــــا

بنى للعلم صرحا في سماء ـــ مـعالمه تنـيـر العالمــيــنـــــا

إلى أن يقول

أ يا عين السلامة قد أطلت ــــ عليك اليوم ذكرى المصلحينا

لكـل فرحـة عمــت وطارت ـــ و حامت فــوق كـل الطــائرينا

كما ذكرها في مقطوعة شعرية أخرى منها :

على عين السلامة قف قليلا ـــ فقد كانت بها سعدى خليلا

خليلا لن و لن أبغي بحــــال ـــ على حر الهوى عنها بديــلا

من أبرز أعلامها الأحياء :

الشيخ أحمد بن بباه شاعر" امغن " و أديب وإمام المسجد سابقا و أحد وجهاء القرية و أعيانها 

محمدو بن الداه وجيه من وجهاء القرية و أعيانها

محمدو بن محمد الأمين بن أحمد الحارث شيخ المحظرة و إمام المسجد

الدكتور أحمد حبيب الله أستاذ الأدب الموريتاني في جامعة انواكشوط

حيدات بن محمد عبد الجليل محامي

إدوم ين المختار السالم شاعر و أديب

الدكتور محمد محمود بن أحمد الحارث مفتش في وزاة التعليم

الإعلامي محمدو بن سيدي الفالي

لمرابط بن الفغ شاعر" امغن" و أديب

 

إعداد الأستاذين : محمد الراجل بن عبد الله و سيدي عبد الله بن محمد الأمين