بحث

من يوميات الكزرة " تدوينة "


تبدو لك " الكزرة" هذه الأيام وكأنها قرية من قرى البادية التي تعرفها بنفس الأماكن و تسميات أهلها تقريبا . هنالك تشابه في البنيان أعرشة من الزنك و أبيات من الخشب و إن كانت هنا أحسن فنيا . في هذه القرية "الكزرة " لا تسمع

حنين النوق و لا خوار البقر و لا ثغاء الشاء كل ما هنالك من الأصوات صوتان لا أكثر و لا أقل صوت الرياح العاصفة المتربة المحملة بالرطوبة و البرد القارس أو صوت مذيعي قناة الجزيرة الذي ينبعث لك من المذياع عبر موجة FM . من أحسن ما في الكزرة سماءها ليلا فلا أعمدة إنارة و لا أضواء سيارة تحجب عنك ذاك المنظر الجميل الساحر إذ يبدو لك الجو و هو صاح صاف هادئ تزينه نجوم السماء و كواكبها فالثريا و الهنقعة والدبران و البطين قد توسطت كبد السماء و الذراعان قد بدآ في الطلوع وهناك في الأفق البعيد يلوح أمام عينيك ضوء يشوبه احمرار و اصفرار سرعان ما يتبين لك أنه بدر التمام قد أشرق بأنواره و طرد الظلماء بضيائه ، ثمت يحلو لك الحديث و السمر على حصير مفروش أمام عريش قد قعد على أحد جوانبه أحد السامرين و حوله قنينة غاز أو فرنة فحم قد جعل عليها إبريق و بين يديه طاولة مستديرة عليها الكؤوس قاعدة و رائحة الشاي الممزوج بالنعنع المنبعثة من الإبريق قد ثغرت الأفواه و سال لها اللعاب ، بدأ السامرون في تناول أطراف الحديث يمنة و يسرة كل حديث يجذب فريقا من السامرين و أحيانا يكون الحديث الواحدة مائدة الجميع .آخر أخبار الكزرة و حديث الامتحانات و كواليس الإدارة وأخبار البلد العزيز و قضايا الشرق الأوسط البعيد القريب و غيرها من المواضيع تأخذ حيزها من الحديث إلا أن موضوع الكزرة يبقى مسيطرا على أجندة الأخبار و حديث الساعة و حصاد اليوم ، فذاك قادم يقول إن ثمة آليات وجرافات للتخطيط ، و آخر يشكك في كلامه و يقول إن المشكلة معقدة و الحاكم السبب ، وقادمة من وراء تلك الربوة يقال إن معها الخبر اليقين لكن سرعان مايتبين أن ذلك حديث خرافة و يبقى الحديث و المسلسل متواصلين إلى أن يقف أحد السامرين دقائق يريد أن يشعر السمار بأنه آن وقت النوم لينفضوا عن المجلس كل متجه إلى مخدعه و قد أعد نفسه لنوم طويل يأخذ مكانه على الفراش و بعد أن ادثر و تسجى جاءه البرد من شقوق النوافذ و الأبواب إلى أن ينادي لمناديان حي على الصلاة حي على الطلوع فيستيقظ المستيقظون و يبقى النائمون ليبدأ فجر جديد حاملا معه أياما سعيدة لأهالي "الكزرة" .

بقلم سيدي عبد الله بن محمد الأمين من هيئة التحرير