بحث

من ذاكرة الطفولة "تدوينة"


في ليلة من ليال الشتاء القارسة الحالكة وأنا طفل صغير كنت جالسا مع جدتي في عريش سقف من الزنك وجدرانه من القماش المعروف ب : " ملكان " وعليه حظيرة 
من أعمدة خشب شجر المرخ المعروف محليا ب : "تتارك"، وشجر الهلج المعروف ب : 
" تيشط " ، الظلماء التي غطت الكون وأرهبته ترعبني ، والبرد الذي أطبق علينا من كل جانب يرعدني ،وأصوات نباح الكلاب و هراشها وعويل الذئاب تذيبني رعبا، و أزيز الرياح قد 
دوى في الأفق شرقا وغربا جنوبا وشمالا ، في هذ الجو المرعب المخيف وأنا

لا 
أكاد أتماسك من الفزع والخوف مدت جدتي يدها إلي تتلمسني فضمتني إليها 
ومسحت رأسي بيدها فغطتني بعطف وحنو وكستني بمشاعر تفيض مودة ورحمة ، حينها 
انتصبت جالسا كأني بطل وقد انقشع الرعب و ذهب الخوف و زال الجبن - مع أن الجو مازال بحاله - ،و بدأت حديثها الشيق الممتع وأنا استمع ، وهي تروي علي كل ما جادت به ذاكرتها من سيرة 
و شعر و قصص مسلية - و لكل ليلته – و كان مما علق بذاكرتي هذه الأبيات الثلاثة 
التي تتحدث عن بعض خصال أبي بكر رضي الله عنه وهي من بحر الوافر :

أبا بكر حـبــاه الله مــــــالا   و حين دعي أجاب نعم بلا لا  

لقد واسى النبي بكل خير   و أعتق من ذخــائــره بـــلالا

 لـو ان البحر أبغضه اقتلالا    لـما ألـقـى الإلـه بـه بــــلالا  

فأفادتني بمعنى الأبيات و منها كلمة بلالا التي انتهى بها كل بيت من الأبيات ففي 
البيت الأول : بلالا هي لا النافية مكررة توكيدا و الباء حرف جر ، وفي 
البيت الثاني : يعنى بها بلالا الحبشي رضي الله عنه ، وفي البيت الثالث و 
الأخير: بلالا مصدر من الفعل بل المضعف وهو مثلث الباء ، فتقول : بلالا - 
بالكسر- ، و بلالا - بالفتح - ، وبلالا - بالضم - كما في القاموس . و هذ ما 
يسمى عند أهل البلاغة بالجناس التام .

بقلم سيدي عبد الله بن محمد الأمين