بحث

يوم في الذاكرة


حفل تنصيب ولد الشيخ عبد الله .. تعود بي الذاكرة هذه الأيام لعشر  سنوات انقضت بالتمام والكمال، ذكرى حفل تنصيب الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله في قصر المؤتمرات ..

 بالعاصمة نواكشوط في 19 ابريل 2007.

 كان يوما مشهودا، استغرق الإعداد له على مستوى الرئاسة والتشريفات ووزارة الخارجية عدة أسابيع..

 كانت البلاد تتأهب لتنصيب أول رئيس مدني، يصل إلى الحكم من خارجه، بعد انتخابات تعددية استثنائية وفارقة في التاريخ السياسي الموريتاني الحديث.. خلت ربما لأول مرة من التزوير التقليدي، وإن لم تغب عنها أساليب التأثير على الناخبين لصالح أحد المرشحين من قبل ساكن القصر الرمادي، حتى وهو يتأهب لحزم حقائبه ظاهريا!!

 وحاولنا في التلفزة الموريتانية وقتها، أن نحضر له تحضيرا جيدا، يليق بالمناسبة، وتوزعنا منذ الساعات الأولى لذلك اليوم في مباني قصر المؤتمرات، حيث سيقام الحفل..

 

 كنت ضمن فريق يقوده المرحوم حمو ولد أحمدو مامين، ومعنا الزملاء، الطالب ولد سيدي أحمد وسيدي ولد الأمجاد، وجغانا عبد السلام والعميدة ركي سي.

 وفي الجانب الآخر بمباني التلفزة، كل من محمد ولد حي ومحمد يحيى ولد حمود.

 نصبنا وسائلنا التقنية ونشرنا الطواقم، وبدأنا في الإعداد لأكبر تغطية تعرفها القناة، منذ نشأتها، ستتطلب منا تأمين نقل حي على الهواء لساعات متتالية..

 كانت التحديات التقنية حاضرة وحقيقية، فنحن لا نملك وسائل متطورة وخفيفة ومرنة للنقل والبث، كما هو الحال الآن على ما أعتقد في التلفزة الموريتانية، على غرار ما هو موجود لدى وسائل الإعلام العالمية.

 وأقمنا يوما قبل الحفل خلية فنية متكاملة في الباحة الخلفية للقصر، ومنها أدار الفنيون العملية، يوم الحفل تحت إشراف المدير الفني للتلفزة وقتها المهندس محمد عبد الله كان.

كانت المرة الأولى بالفعل التي تقوم فيها التلفزة الموريتانية بتجربة من هذا القبيل، لها تحدياتها التقنية غير اليسيرة، ولعلها المرة الوحيدة حتى ذلك التاريخ التي نتنقل فيها بطواقم كبيرة لتغطية حدث كبير.

 في مواجهة المباشر

 كانت التلفزة في السابق قد اعتادت التعامل مع أحداث تتكرر دائما، ولا تتطلب جهدا تقنيا استثنائيا، فكانت كل عام، تنقل حفل رفع العلم من القصر الرئاسي، صبيحة ذكرى الإستقلال، ووقائع صلاة العيد من جامع بن عباس مرتين في السنة، وكذا نهائي كأس رئيس الجمهورية التي تقام عادة بالملعب الأولمبي المجاور لمبنى التلفزيون.

 وقبل أشهر فقط، استطعنا بصعوبات كبيرة، نقل المهرجان الختامي لحملة شرح التعديلات الدستورية، التي طرحت خلال استفتاء 25 يونيو 2006، والذي أقيم بالملعب الأولمبي على مرمى حجر من مبنى التلفزة.

 كما قمنا قبل ذلك بأشهر، بتغطية شبه مباشرة، لما عرف حينها بالأيام الوطنية التشاورية.. وكات في الواقع الإطار الذي مرر من خلاله المجلس العسكري حينها، رؤيته ببراعة لا تخلو من اجماع - ولو ظاهري على الأقل- للمرحلة الانتقالية التي تعهد بتنظيمها، بعد إطاحته بالرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطائع في أغسطس 2005.

 ولكن تغطينا تلك رغم أنها كانت ثورية بمعايير تلك الأيام، وظروف المؤسسة حينها، إلا أنها لم تكن مباشرة تماما، وإنما كانت بثا سريعا من موقع الحدث لمجرياته بفارق دقائق، ومع لمسات مونتاج وتشذيب خفيفة.. ولذلك وصفتها سالفا بأنها نصف مباشرة.

 لكن تجربتنا الجديدة هذه، كانت مختلفة بالكامل، وسندرك ذلك سريعا في ذلك الصباح الإستثنائي في تاريخ البلاد، والإستثنائي كذلك في تاريخ التلفزيون في موريتانيا.

 فرغم كل ما حاولنا توقعه، أدركنا ونحن على الطبيعة كما يقال.. أننا كنا محدودي الوسائل وضعيفي التجربة في مواجهة المباشر، فما إن حان موعد الربط بالأستوديو المركزي بمباني التلفزة، حتى فقدنا نحن الموجودين بباحة قصر المؤتمرات، الاتصال بالزملاء في التلفزة، على بعد عشرات الأمتار فقط.. ونحن ما زلنا في الدقائق الأولى من بث حي ومباشر كنا نريده مواكبا لذلك اليوم الكبير..

التقاط الإشارة باليد!!

وبعد جهد جهيد، استطاع الفنيون ربط ما انفك، ولكن واجهتنا مشكلة أخرى، فقد كانت إشارة البث القادمة من الأستوديو ضعيفة، ولا تكاد تشعرنا بأننا أصبحنا على الهواء، وتطلب الأمر الاستعانة بفني يتولى إبلاغنا..  ويا للمفارقة، بالتلويح باليد من بعيد من الموقع الذي يرابط فيه الفنيون، بعد كل مرة ينقطع فيها البث أو نفقد فيها الإشارة.

ولن أنسى المدير العام المساعد للتلفزة وقتها، الأستاذ محمدو سالم ولد بوكه، رئيس اتحاد الإذاعات الإسلامية فيما بعد، في إحدى المرات، وهو يركض من جهة الخلية الفنية، خلف قصر المؤتمرات، لينبهنا بأننا أصبحنا على الهواء!!

كان أول ضيف قدمناه للمشاهد، على ما أذكر في ذلك الصباح الخاص، هو الخبير في القانون الدستوري، الدكتور ادريس ولد حرمة، المستشار بعد ذلك على ما اعتقد، في ديوان الوزير الأول، وتناول حديثنا معه الإطار الإجرائي الناظم لأداء رئيس الجمهورية للقسم، وغير ذلك من الترتيبات الدستورية والقانونية المرتبطة بالعملية.

وقد استطعنا محاورة الدكتور ادريس ولد حرمه دون انقطاعات في البث، وانفتحت شهية الزملاء، ورحنا نجوب باحات قصر المؤتمرات، بحثا عن ضيوف متميزين موريتانيين وأجانب، "نؤثث" بهم الساعات التي تسبق الحفل، المقرر نظريا الساعة الحادية عشرة.

قدمنا في ذلك اليوم عشرات الضيوف، من داخل البلاد وخارجها، إذ كانت هناك إلى جانب الشخصيات والفعاليات السياسية والاجتماعية الوطنية، وفود أجنبية من مختلف قارات العالم، عكس حضورها تقدير العالم في ذلك الحين لما سمي حينها التجربة الموريتانية، التي عاش بفضلها البلد، ربيع آمال مجنحة ومتوثبة، لن يلبث أن ينقشع سريعا، ويسلمنا للأسف لمشهد ربما كان أكثر سوء، مما كان عليه الحال، خلال عهود الاستثنائية السابقة!

انتظار الهواء..

وما زالت معي في الذاكرة من ذلك اليوم مواقف محرجة وأخرى طريفة، كان أولها مع وزيرة الدفاع الفرنسي ميشيل آليو ماري التي ستتولى بعد ذلك بسنوات حقيبة الخارجية في حكومة ساركوزي، فقد كنا على الهواء وكانت تتجه نحو البوابة الكبرى لقصر المؤتمرات فاستوقفتها وبدأت معها حوارا على الهواء،

وأثناء تقديمها التبس علي جزء من اسمها، فنطقت بدل ميشيل اسما آخر، ولم تعر الوزيرة، على ما يبدو أهمية لهذا الالتباس، ودخلت معي في الحوار، لكن السفير باتريك نيكولوزو الذي كان إلى جانبها، خطا نحوي خطوتين.. ونطق الاسم صحيحا وكاملا على مسمعي مرتين، قبل أن يعود أدراجه إلى جانب الوزيرة، ففهمت حينها أني نطقت اسمها بشكل غير دقيق، فأسرعت بطرح سؤال جديد مشفوع باسمها مصححا.. فأومأ لي السفير مرتاحا للتصرف.

 من المواقف المحرجة كذلك في ذلك اليوم، أني بعد ما نجحت أنا والزميلة ركي سي في "اصطياد" الدبلوماسي الجزائري الكبير سعيد جنيت، وأقنعناه بحديث عى الهواء، وكان حينها مفوض السلم والأمن بالإتحاد الإفريقي، وسيلتحق فيما بعد بالأمم المتحدة ممثلا لأمينها العام السابق بان كي مون في غرب إفريقيا وفي الوقت الذي وصلنا به إلى الموقع، الذي نصبنا فيه تجهيزات البث عند المدخل، لاحظنا أن البث قد انقطع، فحاولنا استبقاءه لبعض الوقت، بأحاديث جانبية، ريثما يتغلب الفنيون على المشكل.

 وكنت أتظاهر بأني أتابع حديث محاوري، وأفتعل الاهتمام، وأطلب كسبا للوقت، المزيد من الإيضاحات حول نقاط معينة.. وعيني كانت في الواقع على الحركة الدائبة للزملاء الفنيين، وهم يسعون جاهدين لربط الاتصال مجددا مع الأستوديو المركزي

ويبدو أن السيد جنيت سئم الانتظار، فما كان منه إلا أن يسألنا متى سنبدأ الحوار على الهواء، فتحججت ببعض المشاكل الصغيرة التي سنتغلب عليها بسرعة لنبدأ المقابلة.

ولكن الدقائق مرت سريعة، والارتباك ما زال سيد الموقف لدى الفنيين، فما كان منه إلا المغادرة غاضبا، ولم تنجح محاولاتنا إفهامه حقيقة ما جرى، في تبديد شعوره بالإهانة، بعد أن أبقينا دبلوماسيا مرموقا من مستواه لبعض الوقت ينتظر "الهواء".

بعد ذلك بدقائق استعدنا التواصل مع الأستوديو، واستأنفنا مقابلاتنا مع ضيوف الحدث، واعترضنا عند مدخل قصر المؤتمرات، السيد أحمدو ولد عبد الله مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة في غرب إفريقيا حينها، والذي جاء ممثلا للمنظمة الدولية في الحفل، وما إن بدأنا الحديث على الهواء.. حتى زارنا مجددا طيف الخلل الفني وانقطع البث..

في هذه المرة، لم يكن لنا أن نشعر بإحراج من أي نوع، فنحن أمام موريتاني، يعرف حدود وإمكانات بلده، ويدرك لا محالة، مستوى التحكم في التكنولوجيا لدينا.

وبالفعل فقد تعامل مع الموقف بروح رياضية، وبقي معنا بتواضع جم، نتجاذب أطراف الحديث، وكأن الأمر أكثر من عادي بالنسبة له، حتى تغلبنا على المشكل الألف.. ربما الذي واجهناه ذلك اليوم الخاص والتاريخي.

وأذكر أن الدبلوماسي الدولي الكبير، حين بدأت معه التحضير للقاء، حرص على تنبيهي بأدب، إلى أنه لن يقول إلا ما يخدم موريتانيا، بعيدا عن الشخصنة أو الحديث المنحاز لأي جهة أيا كانت.

وكأن السنوات الطويلة في نيويورك، ومعها المهام الدولية المتعددة، في أكثر من منطقة عبر العالم، والمؤتمرات والمحافل الدولية الباذخة، على مدى عقود، لم تنسه ما كان سائدا في بلده، من أساليب ديماغوجية في الإعلام والدعاية، حين كان سفيرا ووزيرا في السبعينات والثمانينات..!

الأمن ينقذ شكسبير!!

من المواقف التي لا أنساها كذلك، أنني والزميل الطالب ولد سيد أحمد، حين رأينا مساعد وزير الخارجية الأمريكي، وليام نيغروبونتي يتقدم نحو البوابة، قررنا أن نتسلح بكثير من الجسارة، ونضيفه لرصيدنا الضعيف من اللغة الإنكليزية.. ونبادر نيغروربونتي الذي كان يقود وفد بلاده في الحفل بسؤال، لكن المحاولة لن تذهب بعيدا، فالأذرع المفتولة لطاقم الرجل الأمني، كفتنا مؤونة السؤال، وردتنا ردا غير جميل، ورضينا من الغنيمة، بإيماءة بالرأس من الدبلوماسي الأمريكي الكبير، من خلف جدار أمني عازل.. وكفى الله لغة شكسبير، ما كانت ستتعرض له على يدي أنا خاصة، وربما بنسبة أقل من قبل الزميل الطالب.. وأمام شهود كبار من الدبلوماسيين العالميين الحاضرين

وبعد صراع طويل مع المشاكل الفنية، والصور والمشاهد المتراقصة على الشاشة.. والصوت الذي يخاصمنا تارة ويعود أخرى، حانت اللحظة الفارقة والحاسمة التي انتظرها الموريتانيون، أعني الحفل، الذي أقيم في القاعة الكبرى بالقصر، والتي صممت في الأصل لنحو ألفي شخص.

وذلك اليوم أعيد تركيب مقاعدها بحيث تستقبل أكثر من ذلك من المدعوين، ولم ينفع كل ذلك، فقد بقي عدد من الرسميين، خاصة الأجانب من الصف الثالث، واقفين في القاعة بعد ما احتل آخرون، مواقعهم.. وساد لبعض الوقت هرج ومرج، لم يقطعه سوى بدء فعاليات الحفل، غير المسبوق في تاريخ البلاد، حضورا وتنظيما وتهيئة.

كم هو صعب أن تتغير !!

وبعد هذه السنوات العشر، ما زال من ذلك اليوم تفصيل صغير عالق بذاكرتي، يأبى النسيان..

فعندما كنت منكبا على إعادة تركيب صورة اليوم في تقرير للنشرة الرئيسية المسائية، جاءني "من" يطلب مني أن أتجنب في التقرير، أي ذكر للمجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، الذي كان ملء الأسماع والأبصار قبل ساعات، بوصفه من قاد البلاد في تلك التجربة الفريدة، رغم كل ما شابها وما قد يقال عنها من مآخذ!!

وما لفت انتباهي أكثر، هو أنه طلب مني، أن أبرز في المقاطع المصورة المعدة للبث مع التعليق، عددا من أصحاب الرتب والنياشين، من بينهم طبعا أهم أوجه المجلس الذي أمرت بتجنبه.

هل في الأمر تناقض أو عدم وضوح رؤية، أم هو أمر مقصود هكذا؟!

هل "من" طلب مني ذلك، كان يتصرف من تلقاء نفسه، أم بناء على تعليمات وتوجيهات من جهة ما؟

ومن هي تلك الجهة؟

لست أدري.. كلما أعرفه أن الأمر حصل هكذا..

 من جهة يبعدون المجلس من الصورة، ومن جهة أخرى يحرصون على إبراز أعضائه أو بعضهم، أفرادا دون ذكر المجلس!!

قد يكون من المناسب فعلا أن يتصدر المشهد، وقد انتهى الحفل، الرئيس الجديد سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، حتى وهو لم يدخل بعد مكتبه الرئاسي..

ولكن ليس من اللباقة، ولا من التصرف السليم، في رأيي المتواضع، إبعاد كل من ساهم في ميلاد هذه اللحظة، في لمح البصر، من قوي حية وهيئات، وفي طليعتها المجلس العسكري وحكومته التي أدارت المرحلة الانتقالية بقدر غير يسير من البراعة، رغم كلما يقال الآن من مآخذ عنها وبعضه صحيح بلا شك!

ثم ما قصه السعي لإبراز أفراد من هذا المجلس دون آخرين؟!

أليس الأمر مثيرا للشك والريبة؟

 مما يكن الأمر.. فقد أدركت يومها، كم هو صعب على موريتانيا أن تتغير!!

 وأسفت بصدق لذلك، ولسذاجتي وحسن نيتي، وحسن نوايا موريتانيين آخرين مثلي، كانوا يتوقعون قطيعة مع الماضي بكل بساطة، وطي الصفحة دون كبير عناء..

 وشعرت للأمانة بإحباط حقيقي، ونحن نودع بمثل تلك الممارسات، ذلك اليوم المفعم بالأمل بموريتانيا جديدة، تولد من رحم المراحل السابقة الصعبة، مستفيدة من الرصيد الذي راكمته على مدى عقود، وخاصة تجربتها الأخيرة في التفاعل والحوار، الذي طبع المرحلة الانتقالية المنصرمة..

كم هو فعلا صعب على موريتانيا للأسف.. أن تتغير!!

  

محمد ولد حمدو