بحث

الدكتاتور الديموقراطي ....

   *لجنة وطنية للانتخابات

 *حملات انتخابية: صور وشعارات وأضواء وأبواق..

*انتخابات شعبية: مكاتب اقتراع وصناديق وبطاقات وطوابير من الناس..

*برلمان كامل العدد من غرفتين منفصلتين: شيوخ ونواب

*مجالس بلدية: عمدة ومستشارون

*مجلس دستوري..

*رئيس جمهورية منتخب يصدر المراسيم، ووزير أول يقدم برنامج عمل الحكومة أمام البرلمان..

*لجان برلمانية، لمختلف الاختصاصات السياسية والقانونية والمالية والدفاعية.. الخ الخ..

مرحى! أخيرا التحقنا بأكبر الأنظمة الديمقراطية واستوينا مع أعرق الدول الديمقراطية في العالم؛ بأي نظام تتفوق علينا وبأي مؤسسات تبأى علينا؟؟

بالدستور؟ لدينا دستور. بالصحافة الحرة؟ لدينا صحافة حرة.

 

الحاصل أن لنا مؤسسات ديمقراطية كما لهم مؤسسات ديمقراطية، وأن لنا إعلاما حرا كما لهم إعلام حر.. وكلانا يستخدم الكلمة نفسها، بل الكلمتين: الديمقراطية والحرية.

ما تقدم يصلح بيانا سياسيا ممتازا للحزب الحاكم أو لأحد أحزاب النانو المتعلقة به.

لكن هذا ما يسميه علماء أصول الفقه بالشبه الصوري في باب القياس وهو ليس معتبرا عند أكثرهم، بل "لم يحكه الله سبحانه إلا عن المبطلين" كما يقول ابن القيم.

كان قاضي نواكشوط الأول الإمام بن اشريف ـ رحمه الله ـ مرة في مجلس سمر مع بعض أصدقائه يضم مختلف أجناس سكان العاصمة من علماء ومتعلمين وعرب وعجم، فاستنكر بعضهم شهادة أحد الحاضرين لرجل يَدّعي الشرف، ويعرفون أصله وفصله، بصحة شرفه لشبهه بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ يقسم بأغلظ الأيمان على ذلك الشبه بين الرجل وبين الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم! فأراد القاضي إخراج صاحبه من هذا الحرج فقال للحاضرين: "صدق في قوله؛ "ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين"!

كذلك قد تتشابه الصورة التكوينية للحكم الديمقراطي الحقيقي والحكم الديكتاتوري الحقيقي، ولكن تبقى الخصائص والوظائف مختلفة جدا جدا!إنه مجرد شبه صوري ينتج عنه افتراق في المنظور واتفاق في المستور، وجهه الآخر هو الاستبداد أو الديكتاتورية التقليدية المعروفة في الحزب الواحد والرأي الواحد والزعيم الأوحد الملهم الذي لم لا يزلُّ ولا يكلُّ، لا يُبدأ كلام ولا يُختم إلا بحمده، ولا يُؤتَى فعلٌ إلا تحت رعايته السامية، لا يعارضه إلا الخونة ولا يعصيه إلا شقي أو محروم. إنه أيضا خارقةٌ قوَّتُه، مشاريعه تصبح إنجازات ملموسةً بمجرد الإعلان عنها؛ فلو أعلن مشروعا لتحويل حبات الرمل إلى حبات أرز أو قمح مثلا لطفق المسئولون والطبالون في الإعلام والحزب يهنئون الشعب على تحقق هذا الإنجاز العظيم! ومن ثم فليس من الوارد أن يُسأل عن المال العام، فهو ينفقه كيف يشاء...تلك هي الصورة الكلاسيكية للديكتاتور. لكن الاستبداد لا يبدو عصيا على التطور؛ فقد جمَّلته تقنيات السياسة وإكراهات العولمة، وألبسته أثوابا فضفاضة غيرت صورته المكشوفة تلك وحلته حللا تُخفي قبحه، وأغلفةً تغطي وحشيته وجوره.هذا التطور غير الصورة الشكلية فقط، لكن جوهر الاستبداد ما زال كما هو في معناه ونتيجته: فأغلب المستبدين يصلون ـ أولا ـ إلى السلطة بالقوة الإرهابية (السلاح) أو بالغِرَّة الانتهازية (وهي التزوير، والغش بادعاء الكفاءة الزائفة والوعود الكاذبة، والرشوة، والغدر بالمنافسين، واستغلال خصاصة الناس وانتهاز غفلتهم..الخ)، ثم يكرسون ـ ثانيا ـ السلطة ويسيرونها بما يضمن بقاءهم فيها بدون منازع ذي اعتبار ولا شريك يستشار ولا رقيب له قرار.فالديكتاتور الحديث (الديمقراطي!) يخلع البدلة والنياشين ويحتفظ بها في مكان قريب مع سلاحه، ويظهر بالكوستيم الرسمي وأحيانا بقميص رياضي. غير أن ممارسته للحكم وفلسفة السلطة عنده تظل محكومة بالاستبداد التقليدي: تجري على مقتضيات رغباته الشخصية ومزاجه الخاص وهواجسه الحقيقية والوهمية.. ونتيجة لذلك قد يخفي نصف قراراته حتى لا ينكشف ثوب الديمقراطية القصيف.  قيل إن أحد منتخَبينا أراد تقديم واجب النصح و"المراقبة" لفخامة الرئيس فقال: يا سيدي الرئيس هذا الشعب صغير على الديمقراطية ولا تصلح له ولا يصلح لها، وهذه الحرية المطلقة والمعارضة المتسلطة والصحافة المنفلتة والمظاهرات والاعتصامات ليس لها من داع، خاصة أنها تجاوزت كل الحدود وأساءت الأدب ورمتكم بالسوء والبهتان!..نظر إليه الرئيس كالساخر من سذاجته وقال: "اسمع: الديمقراطية لعبة! والشعب أضعف وأغبى من أن يميز بين الديمقراطية والديكتاتورية.. لهذا من الأفضل أن تجعل له جِلدَ تلك على هذه، فتتركه ينعم بالوهم وتنعم أنت بالحقيقة. فالمعارضة والاحتجاجات وحرية الصحافة.. علامات ديمقراطية، دعها تظهر. لكن لا تبال بالمعارضة ولا تستجب للاحتجاجات، وتجاهل ما تنشره الصحافة بحذافيره.. لست مضطرا للاكتراث بأي شيء من ذلك طالما أن الأمور تحت السيطرة. أما إن خشيت من ذلك تهديدا أو تأثيرا جديا، فكن مستعدا لوضع عمامتك ليعرفوك"!.

أليست تلك صورة الديمقراطية وحقيقة الديكتاتورية؟!

**

مع هذا فالديكتاتور "الديمقراطي" واقع بين فكي الحسرة والقلق؛ الحسرة على عدم نسيان الناس للطريقة السيئة التي وصل بها إلى السلطة. والقلق من التفكير في الطريقة التي ستنتزع بها منه يوما ما. وكل ذلك يؤثر حتماً في أدائه وتصرفاته.

وهناك تناسب مطرد بين عدم شرعية أخذ الحاكم للسلطة أصلا، وبين استبداده وتسلطه؛ حيث لا يأمن أعوانَه ولا يثق في أحد، بل يحسب كل صيحة عليه؛ فيوغل في القمع والمنع..

ولأن الحاكم الانقلابي المستبد ضحل المعارف غالبا فإن هناك تناسبا مطردا أيضا بين جهله وضآلة كفاءته، وبين أسلوب حكمه وصنيعه في اختيار بطانته وعماله؛ فهو يضيق ذرعا بأهل المعرفة ويرى في كفاءتهم عورة جهله، ومن ثم يكون ميالاً إلى استعمال أعوان على شاكلته وخاصة ممن لهم مثالب خفية يبتزهم بها أو مآرب دنية يمنيهم بنيلها، ويكره ذوي الضمير الحي ويرى في استقلالهم تحديا له. "فيتخير" الإمعات الذين لا يملكون من الصدق والشجاعة ما يجعلهم يُذكِّرونه ـ مثلا ـ بأن في الأبجدية العربية حرفا اسمه "الدال" وآخر اسمه "الضاد" إذا التبسا عليه! بل سيقترحون على الأرجح تدريس هذا الالتباس كقاعدة لغوية ذهل عنها اللغويون!

وبما أن هذا الرئيس مع ذلك يحاول أن يمسك بكل شيء ويدبر بنفسه أمور البلد بعظائمها وصغائرها، فإنه بطبيعته البشرية سيجد نفسه منهكا وعاجزا، فتتراكم أخطاؤه بعضها على بعض، دون أن يعلن ذلك طبعا، بينما يستمر مَلَؤه في إقناع الناس بفضائل تلك الأخطاء التي قد يسمونها ـ كغيرها ـ "إنجازات عملاقة" لم يسبق لها مثيل.. حتى إنه هو قد يتوهما كذلك من كثرة ما زينت له!.

إن التخطيط ووضع الدراسات واستشارة الخبراء الأمناء بشأن كل مشروع تنموي هام أو قرار خطير مثلا، أمور لا يرى فيها ذلك الحاكم إلا معوقا لإطلاق إنجازاته وقراراته التي قد تكون في الواقع فكرة من وحي فيلم سينمائي أو حتى رؤيا في منام قلق، بل يعتبر تلك الدراسات والأسس العلمية ضربا من "تضييع الوقت"، كما أنها قد تنتهي إلى عدم صواب الفكرة الرئاسية من أصلها وهو أمر لا يحتمل!.

أما النصوص القانونية والنُّظم والعدالة، التي ينص الدستور على أن الرئيس هو حاميها وضامنها، فهي في الواقع من أهم وسائل استبداد حكامنا، حيث تنشأ النصوص وتعدَّل وتطبق حسب رغباتهم، وتهمل وترمى ظهريا إذا لم تناسب لحظتهم.. ومن ثم تكون أجهزة القضاء والتنفيذ أدوات في أيديهم للزجر والقهر.

**

ليس ذلك بعيدا من مثال ديمقراطيتنا التي أنتجتها سلسلة من الانقلابات العسكرية خلقت طبقة سياسية وإعلامية شبه عسكرية، قياسية (Standard) لإنجاح أي انقلاب عسكري ثم إضلاله وإردائه.. وهكذا دواليك! سواء كان انقلابا انتهازيا كانقلاب 1984 وما قبله، أم كان طبيعيا كانقلاب 2005 أم كان مفتعلا كانقلاب 2008؛ الذي اعتمد لأول مرة على تلك الطبقة المدنية المدجنة فترك لها هيئاتها وامتيازاتها إلى اليوم رغم انتهاء آجالها القانونية.

من المؤكد أن نظامنا الحالي حاول بكل الوسائل التي تسمح بها طبيعة الأنظمة الانقلابية، أن ينجز شيئا ويرقع بعض الفتوق التي يراها بوضوح، ويطور الصورة الديمقراطية بإعطائها كافة أبعادها الشكلية. وقد قطع في ذلك شأوا مشهودا ومحمودا، خاصة في مجال حرية التعبير.

أما عن جدية ذلك وفائدته من حيث التعبير عن الحقيقة الموضوعية، والتحقيق والاستجابة، دون تأثير المزاج الشخصي، فهذا ما زال بعيد المنال وإن كان هو ربع عزة في النظام الديمقراطي الجاد.

ومهما يكن من أمر فإن هناك حقيقتين ثابتتين جدير بنا أن نتدبرهما:

الأولى أنه مهما كانت رغبة النظام والسيد الرئيس نفسه في حصول انتخابات حرة شفافة، والعمل بكل الوسائل التقليدية على ضمان نزاهتها، فلن تكون نتائجها مختلفة عن ما كان يحدث دائما؛ وهو فوز مرشحي حزب الرئيس الحالي والموالين له، وأولئك الذين يؤيدونه من الوجوه التقليدية المكشوفة أو تلك المستترة خلفها. فهذه هي نواميس نظامنا التقليدي السائد منذ ظهور الدولة، وهي إملاءات حالة الجهل والفاقة التي تعم الشعب الموريتاني، وهي قبل ذلك وبعده طبيعة الإدارة المسخرة لهوى الحاكم ـ قبل تعليماته ـ وهي إدارة ما تزال بمأمن حصين عن تأثير تلك الشعارات والأشكال الديمقراطية التي يتحدث عنها الخطاب الرسمي حديثا لا يُجاوز حنجرته.

الحقيقة الثانية: هي أنه لن تكون في هذا البلد تنمية ناجحة ولا استثمارات اقتصادية نافعة، طالما لا يوجد احترام كامل للقانون والقضاء، ولا توجد معايير وقواعد محددة ومحترمة بصرامة في مجالات الصفقات والضرائب والرخص. أما البنى التحتية التي يتحدث عنها البعض فهي لاحقة لهذه الشروط، وليست جزءا منها ولن تغني عنها شيئا ولو كثرت.

ولله در أبي الطيب إذ يقول:

ذو العقل يَشقَى في النعيم بعقلِه ... وأخو الجهالة في الشَّقاوة ينعَمُ

محمد محفوظ ولد أحمد

نقلا عن موقع امجاد