في توقيت سياسي وعسكري بالغ الدقة، وتزامناً مع حراك دولي يبحث في ترتيبات «المرحلة الثانية» من اتفاق وقف إطلاق النار، جاء الظهور الأول للناطق العسكري الجديد لكتائب القسام ليحمل في طياته دلالات تتجاوز الشكل لتعيد رسم المضمون الاستراتيجي للمرحلة المقبلة.
هذا الظهور، الذي يهدف إلى إعادة ترميم الجبهة الإعلامية وسد الفراغ الرمزي، قوبل بقراءات معمقة رأت فيه تأكيداً على ثبات العقيدة القتالية للمقاومة واستمرار نهجها، ورسالة تحدٍ واضحة للاحتلال وحلفائه بأن الهيكل القيادي والإعلامي لا يزال متماسكاً وقادراً على إدارة المعركة بشقيها الأمني والسياسي.
استمرارية النهج وتناغم المسار السياسي والعسكري
وقال المحلل السياسي إياد القرا، إن خطاب الناطق الجديد باسم كتائب القسام أبو عبيدة حمل رسائل متعددة، أبرزها تأكيد لامتداد خطابه مع نهج القائد الشهيد أبو عبيدة، واستمرارية المواقف التي تتبناها كتائب القسام في إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، خصوصًا في ما يتعلق بمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.
وأوضح القرا في مقال نشره، أن الخطاب أظهر تمسك القسام بسلاحها، مع ترك الباب مفتوحًا —بشكل محسوب— أمام إمكانية مناقشة أي ترتيبات مستقبلية، شرط أن تكون مرتبطة بسلوك الاحتلال، وبمدى التزامه بوقف الانتهاكات، وبطبيعة التعاطي في المرحلة الثانية من الاتفاق.
واعتبر أن هذا الموقف يحمل دلالة واضحة على أن القسام لا تزال حاضرة وقادرة، وأنها لم تلجأ إلى تضخيم قوتها، بل تحدثت عن قدراتها كما ظهرت خلال المعركة، وصمودها مع شعبها على مدار عامين من التضحيات.
وأشار القرا إلى أن استعراض المجلس العسكري والإعلان عن عدد من قادته حمل رسالة سياسية واضحة لنتنياهو والإدارة الأمريكية: قضية غزة ثابتة، والمقاومة متمسكة بسلاحها وبموقعها في مواجهة الاحتلال، وأن نجاح اتفاق وقف النار حتى الآن يعود إلى تمسك المقاومة بشروطه، مقابل تهرّب الاحتلال من التزاماته في المرحلتين الأولى والثانية.
وختم القرا بأن الخطاب جاء هادئًا ومتزنًا، معبّرًا عن تناغم بين القيادة العسكرية للقسام والقيادة السياسية لحركة حماس، وعن مقاربة تكاملية في التعامل مع التطورات الجارية.
دلالات التوقيت وترميم الجبهة الإعلامية
من جهته، أشار الخبير الاستراتيجي والعسكري نضال أبو زيد إلى أن "ظهور الناطق الإعلامي الجديد باسم (القسام) حمل أبعادًا مهمة، أولها التوقيت، حيث جاء بالتزامن مع لقاء ترامب – نتنياهو في فلوريدا".
وأضاف أبو زيد ، أن "خطاب الناطق الجديد عكس توجهًا لإعادة ترميم الجبهة الإعلامية بعد اغتيال أبو عبيدة"، مشيرًا إلى أن "طول الكلمة وأسلوب تقديمها يؤكدان امتلاكه القدرة على ملء الفراغ الإعلامي والرمزي، كما أبرز الخطاب بعدًا سياسيًا واضحًا عبر الإشارة إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار".
وأشار إلى أن "البعد الأمني ظهر كذلك في حديثه عن ملف المتعاونين مع الاحتلال، بما يعكس ملامح المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة أمنية تهدف إلى ضبط حالة الانفلات التي يسعى الاحتلال إلى صناعتها داخل غزة عبر الميليشيات المسلحة التي أنشأها."
ولفت إلى أن "استحضار أسماء القيادات التي اغتيلت —ومن بينهم 14 من أصل 15 من قيادات الصف الأول، بمن فيهم أبو عبيدة— يؤكد قدرة المقاومة على إعادة بناء مشهدها الإعلامي وإنتاج كوادر جديدة رغم شدة الضربات".
وأضاف أبو زيد أن "ذلك يعيد نتنياهو إلى المربع الأول، حيث فشلت محاولته استثمار دعم ترامب خلال لقائهما لتقديم نفسه كـ(الرجل الأقوى في المنطقة)، بعد أن ظهر في حديث ترامب إصرارًا على المضي في المرحلة الثانية من الاتفاق، وهي خطوة لا يرغب بها نتنياهو".
ونعت "القسام" عددا من قادتها، من ضمنهم الناطق السابق باسمها حذيفة الكحلوت، مساء أمس الإثنين، مؤكدة استشهادهم في قصف "إسرائيلي" خلال الحرب على قطاع غزة، وذلك في بيان تلاه المتحدث العسكري الجديد باسم الكتائب.
وكان آخر ظهور للمتحدث السابق في 18 تموز/يوليو الماضي، حيث ظهر في تسجيل مصور تناول فيه تطورات الحرب ورسائل الكتائب، قبل أن تعلن "القسام" استشهاده رسميا.
