حدثني أحد الأساتذة قائلا : راقبت مع زميل لي قسما من شعبة الآداب الأصلية، كان ذلك في امتحان مادة اللغة العربية وقد بدا لي أن المهمة ستكون أصعب لِما أعهده لدى أهل هذه الشعبة من التفنن في الغِش والاختلاس ، و قد شِمتُ جِديةً وحماسا في زميلي شدّتا عضدي وخففتا ثقل الحِمل عن كاهلي، فما إن وزعنا المواضيع حتى بدأ يذرع القاعة طولا وعرضا مارا بين الصفوف ، فاكتفيت بالجلوس على الطاولة أمامَ والمراقبة من مكاني ذاك ، وبعد حوالي دقائق عشرٍ جاء زميلي وجلس جنبي فلمت نفسي على عدم استدعائي له للجلوس قبل أن يفعل لأقوم أنا بدورية مماثلة بين الصفوف، فقمت من مكاني وأثناء قيامي بالجولة لاحظت أنه أخذ قلما وبدأ يكتب في ورقة، فقلت لنفسي لعله يدون خاطرة يخشى أن تنفلت منه إذ ما كان لجِديّْ مثلِه أن ينشغل عن عمله إلا لضرورة مُلحة ، أنهيت جولتي التي أسفرت عن مصادرةِ "مصغرات"ٍ تحوي تراجم لبعض الأدباء ومدارسهم الأدبية كانت إحدى المنقاب تسترق إليها النظر من تحت خمارها الشفاف ، كما اختطفتُ ورقتين خص تلميذُ بإحداهما جاره ذا القربى وبالأخرى الصاحب بالجنب، ثم جلستُ مكاني فقام زميلي بدوره لكني لاحظت أن جولاته هذه المرة اقتصرت على صف واحد قبل أن يكثر توقفه مراتٍ حول طاولة في وسط الصف تجلس عليها فتاة بادية الوضاءة ، فلم يخالجني شك أنه لاحظ لديها تحركا مشبوها فصار يتحين فرصة إلقاء القبض عليها مُتلبسة، وكان أثناء ذلك يلتفت صوبي ففسرت ذلك بأنه مراوغة منه لمُخاتلتها وقد خُيل إلي أني سمعته همس بكلماتٍ خِلتها تحذيرا منه لها ،وهكذا طال وقوفه ثَم فقمت لأريحه من المداومة فأشار علي أن اجلس فجلست وبعد لحظات جلس جنبي فقمت بالجولة وقد ركزت النظرَ أثناء مروري جنب الفتاة الآنفة فلم أجد منها ما يريبني وبعد عودتي سلمت ورقتها ووقعت قبل أن تخرج، وبما أنها كانت أول الخارجين شدني الفضول إلى قراءة ورقتها _عفا الله عني_ فكان أول ما صادفني خطأ إملائي في كتابة اسمها وقد كدت أن أنبه الزميل إلى ذلك لكني تذكرت ما في ستر المسلم من عظيم الأجر، ثم بدأت في قراءة الأجوبة التي كانت مليئة بالأخطاء والهِناتِ إلى أن وصلت الإعراب والصيغ الصرفية فدهشت من دقة الأجوبة وسلامتها من الأخطاء ، لكن الأدهى من ذلك كله هو كتابتها الجملة الآتية بين قوسين : (اتركي رقمك في قُصاصة)
