في إطار انشطتها الثقافية نظمت جمعية العقل للثقافة والتراث يوم السبت 17/4/2026حفل افتتاح لندوة علمية عن حياة الشيخ محمد الأمين بن فال الخير الحسني الشنقيطي الحافلة بالعطاء المعرفي والجهادي تحت عنوان
(من شنقيط إلى الزبير .رحلة العلم والإصلاح والجهاد)
وقد حضر حفل الافتتاح في قصر المؤتمرات سيادة وزير الثقافة الناطق الرسمي باسم الحكومة وشخصيات رسمية ودبلوماسية ووزراء و نوابا وجمع من الدكاترة والكتاب والإعلاميين .
وتكتملة لأنشطة الندوة القيت صباح اليوم الأحد،19/ 4/2026 في فندق موري سانتر .
محاضرات وتعقيبات تتعلق بمسيرة حياة الشيخ محمد الامين فال الخير وآثاره العلمية والدعوية والجهادية من طرف مجموعة من الباحثين و الأكادميين وصلنا منها التعقيب التالي للسيد مفتش مقاطعة روصو محمدن حبيب الله عضو مؤسس بجمعية العقل للثقافة وأحد أعضاء اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين.
نص التعقيب :
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ليس أحرج على النفس، من أن تقف اليوم موقف المعقِّب بين يدي أستاذٍ كان بالأمس منارًا تهتدي به، ومشعلًا تستضيء بنوره في دروب الطلب والتحصيل..
وإن مقامي هذا، وأنا أعقّب على محاضرته القيّمة، ليس مقام تكميل أواستدراك، وإنما هو مقام وفيّ، يحاول أن يجلو بعض ما أضاءه أستاذه، ويُبرز طرفًا من كنوزه، ويشارك — ولو بجهد المقل — في مدّ خيوط ذلك العلم. .
وأرجو أن يكون في هذا التعقيب صدىً صادقٌ لما غرسه فينا من علمٍ وفضل،
ورغم أن أستاذي الدكتور محمذن ولد المحبوبي قد أجاد وأفاد وتتبع الرحلة شبرا بشبر وذراعا بذراع فإنني كتبت التالي وبالله التوفيق:
توطئة:
فى تتبعي لرحلة ابن فال الخير العلمية والإصلاحية اعتمدت على التحقيق الذي ألفه الأديب الباحث محمدن ولد بوبوه لمذكراته فقد عبد لنا الطريق وسهل المهمة،مما يحتم علي ردا للجميل وإحقاقا للحق أن أتحدث بشكل موجز مختصر عنه،
ذلك التحقيق الرائع الذي يتكون من 343 صفحة من الحجم المتوسط ، لونه أصفر فاقع كلون الرمال، يزن 836 غراما ، برائحة زكية نشتم منها أريج التاريخ المجيد،وعبق الماضي التليد،
أما واجهة الكتاب فهي غنية بالرموز والإيحاءات، ويمكن قراءتها قراءة دلالية تجمع بين التاريخ والهوية والمعرفة، وسأحاول شرح بعض إحاءات العنوان والواجهة باختصار شديد:
أولًا: المشهد العام (الصحراء والقافلة
الصحراء:.
النخيل والواحة.
الدلالة: نحن أمام رحلة علمية/إصلاحية تمتد عبر الزمن والمكان.
ثانيًا: المباني القرية/المحظرة)
البناء الطيني يوحي بـ الأصالة والبساطة.
يشبه فضاء المحظرة (التعليم التقليدي)،.
الدلالة: العلم هنا متجذر في البيئة المحلية، وليس وافدًا.
ثالثًا: الكتاب المفتوح: المعرفة تليدة ومتواصلة
رابعًا: الألوان والإطار
الإطار كأنه ورقة قديمة محترقة الأطراف: إحالة إلى التاريخ، وربما إلى ما ضاع منه وهذا يتماشى تماما مع التحقيق الذي بين أيدينا لذلك نجد المحقق أحيانا يجعل بعض النقاط بين قوسين دلالة على الكلمات الضائعة ،.
الدلالة: هذا العمل استعادة لذاكرة ماضية ومحاولة إحيائها.
خامسًا: العنوان
العنوان: "من شنقيط إلى الزبير..."
→ “شنقيط” ليست مجرد مكان فحسب، بل رمز لـ العلم والهوية الموريتانية.
وعبارة: "رحلة العلم والإصلاح"
→ توضح أن الموضوع ليس سردًا تاريخيًا فقط، بل مشروع فكري إصلاحي.
وكخلاصة لقراءة واجهة الكتاب فهي تقول لنا بصمت:
هذا كتاب عن رحلة علمية إصلاحية تنطلق من بيئة شنقيط الأصيلة، تعبر الصحراء وتحمل العلم، لتصل إلى بناء وعي جديد يجمع بين التراث والتجديد،
وحينما نقلب الصفحة تطالعنا الصفحة الثانية بتصدير رائع السبك عميق المعني بعيد الدلالة للأستاذ الأديب الوزير عبد الله السالم ولد المعلى وقد اعتمد صورا بلاغية قوية خاصة الإستعارة لتصوير عودة هذ العالم إلى الحياة عبر مؤلفه مع إبراز الإنتماء والبعد العلمي في قالب أدبي مؤثر،منوها بالمؤلف الأستاذ محمدن ولد بوبوه لدوره الرائد في هذا البعث والإحياء،
ثم تقديم رصين للدكتور المبرز والباحث الكبير يحي الهاشمي أوضح من خلاله تاريخ اهتمامته القديم المتجدد بهذا الرجل وآثاره، معددا بالأسماء والتاريخ من وجد عندهم أي تأليف أو اهتمام يتعلق بابن فال الخير وذلك منذ وطئت قدماه الموصل بالعراق سنة 1979/م،منوها بجهد المحقق ذلك الجهد الذى تواتر الكل على التنويه والإشادة به،
ثم نصل إلى مقدمة المؤلف التي يتحدث فيها عن سبب اختيار الموضوع وكيف تجشم عناءه ،ولم تثنه عن ذلك كثرة العراقيل وبعد الشقة، مبرزا خطة بحثه المكون من :مقدمة و ثلاث فصول ، وستة مباحث،وخاتمة
وسنرافق المؤلف فى المبحث الثالث من الفصل الأول لنري ونتتبع بعض محطات رحلة العلامة محمد الأمين ابن فال الخير ولاشك أن مرافقة أهل العلم والسير على نهجهم منجاة ومحمدة:
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ماكان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم تعش حيا به أبدا فالناس موتى وأهل العلم أحياء
تحدث المؤلف في بداية هذا المبحث عن ما يسميه العقاد "مفتاح الشخصية" حيث ذكر أن الطموح والعصامية هما مفتاح شخصية العلامة محمد الأمين بن فال الخير ،وقال إن هتين الخاصتين ستقودانه إلى عالم أرحب وأوسع، مشيرا إلى أن طموحه للترحال والحج ولد معه ،
وذكر أنه بدأ رحتله من بلده في لعكل سنة 1318 هـ حيث دخل المغرب ومر بعدة مدن إلى استقر به النوى بمدينة العلم فاس ، وكان ينوي مواصلة الرحلة إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج لكن مرض الجدري أقعده سنة كاملة في المغرب ، ومن ثم توجه إلى مصر فنزل بالجامع الأزهر حيث التقى هناك بالعلامة الموريتاني الكبير محمد محمود ولد اتلاميد التركزي الذى هش له وبش وبالغ في إكباره حيث جمعه مع مفتي مصر محمد عبده، وقد استقرأ المؤلف أنه التقى في القاهرة أيضا بالعلامة العلوي أحمد بن الأمين صاحب كتاب الوسيط،
ثم توجه إلى السويس ومنها إلى جدة ثم مكة المكرمة التي دخلها محرما بالعمرة سنة 1349 هـ، وبعد ذلك توجه للمدينة المنورة ومكث فيها سنة كان يتردد فيها على علماء مغاربة ، ولما جاء موسم الحج حج حجته الأولى وعاد إلى المدينة المنورة مواصلا الجمع بين التدريس وتحصيل العلم ، ثم حج حجته الثانية وكان ينوى العودة للوطن مباشرة لكن الرياح جرت بغير ما يشتهي ، حيث التقى بالعالم الشنقيطي الشيخ أحمد سالم بن الحسن الديماني الذي مرض أثناء الحج فاشتغل بتمريضه والعناية به راجيا ثواب أبر البر فقد كان صديقا حميما لوالده الأمين السالم،وقد درس على الشيخ الديماني بعض النصوص والكتب أثناء إقامته معه في الطائف وهما في ضيافة أحد الأمراء الأشراف هو الشريف زيد بن فواز،
وفى مكة التقى بالشيخ أبي شغيب بن عبد الرحمن الدكالي وقد وجد عنده ضالته من علم غزير واهتمام بالحديث وعلومه،
وبعد فترة قضاها في مكة المكرمة جامعا بين التحصيل الدراسي والتدريس ، سافر للهند وعُمان والبحرين على التوالي وقد ذكر المحقق أنه لم يشر في مذكراته إلى سبب وأهداف هذه الرحلات ، ثم قفل راجعا إلى مكة مرورا بالأحساء
وبعد أن أمضى فترة وأخذ من علمائها أتاه كتاب من شيخه أبي شعيب يطلب منه التوجه للعراق ليقوم بالتدريس والإمامة في مدرسة الزبير ، فتوجه إليها وهو كاره سنة 1327 هـ ،
وهكذا شاءت الأقدار أن يلقي ذلك الشنقيطي عصا الترحال في مدينة الزبير بجنوب العراق شيخا مربيا ومعلما وداعية مجاهدا ، بعد رحلة علم وإصلاح جاب فيها غالبية العواصم الإسلامية حينئذ، حيث تزوج بها وبدأ نجمه في الصعود سريعا،
وبعد أن قضى أربع سنوات من البذل والعطاء بالزبير غادر إلى الكويت سنة 1331 هـ ثم عاد مرة أخرى إلى جنوب العراق حيث شارك وبفعالية في الجهاد ضد الأنجليز ، حيث جرح في إحدى المعارك ،
وقد تميزت فترته رحمه الله تعالى بالمشرق ببعض المحددات:
ـ الجد في طلب العلم وتحصيله، وفى نشره وتعليمه للناس ( إنشاء معاهد لذلك)
ــ مصاحبته للعلماء والصالحين حيثما حل وارتحل :
عن المرإ لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
ــ عدم المجاملة في الحق ،ولذلك اصطدم ببعض الغوغاء ووجد منهم مضايقة لم تثنه عن رسالته التي جاء من أجلها
ــ جمع بين جهاد السيف والقلم حيث جرح في إحدى المعارك ضد الإنجليز
ــ التقى بملوك وأمراء كل من السعودية والكويت مما يعكس المكانة السامقة التي احتلها هناك،
وقد قام بكل ذلك في تجسيد واضح للسفارة( الناعمة ) أي الثقافية ،ويجدر بنا أن نلم ولو قليلا ببعض ملامح وتجليات هذه السفارة::
. تأسيس مدرسة علمية
أسس مدرسة مشهورة في مدينة الزبير بالبصرة تُعرف بـ مدرسة النجاة (أو مدرسة الشنقيطي كانت من أوائل المدارس الأهلية في العراق الحديث تخرج منها طلاب من العراق والخليج،
. التأثير العلمي والتربوي
خرّج جيلاً واسعاً من العلماء والطلبة
كان أستاذاً مؤثراً في نجد والعراق والكويت
وقد مثل الثقافة الشنقيطية أحسن تمثيل حيث
نقل نموذج “المحظرة” الشنقيطية إلى المشرق كما ساهم في ترسيخ صورة الشناقطة كعلماء متميزين
بني جسوراً ثقافية: بين موريتانيا والمشرق،.
وفى ختام هذه الأسطر لا يسعني إلا أن أتوجه بجزيل الشكر للباحث الأستاذ محمدن بوبوه الذى أخرج لنا الكنز الثمين من رفوف مكتبة النسيان والضياع إلى حيز الوجود والإهتمام،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمدن ولد حبيب الله


.
