برزت ظاهرة «الكوردجيگنات» أو «گوردگنات» في موريتانيا في سياق توسع نواكشوط، والهجرة الريفية، والاحتكاك بالوافدين من الجنوب. ولم تكن هذه الظاهرة معروفة في المجتمع التقليدي، بل كانت تلقى رفضًا شديدًا.
وقد تسلل ممارسوها إلى الأعراس والمآدب في أدوار الطبالين ضمن الفرق الفنية التقليدية، حيث يجمعون ما يُلقى من مال (الزرگ). ثم استثمروا هذه المهام ليقدّموا أنفسهم بمظهر أنثوي، ويحوّلوا المناسبات إلى فضاءً للانحطاط.
الظاهرة في أصلها مستوردة من السنغال، حيث نشأت تحت مسمى «گور جيگين» (الرجل-المرأة) في الوسط الولفي. وقد قامت هناك، في بدايتها، على دور اجتماعي يؤديه بعض الرجال المتأنثين في الحفلات، قبل أن تنزلق دلالتها تدريجيًا نحو الالتباس الجنسي. وبفعل الهجرة والتبادل الثقافي انتقلت إلى موريتانيا، فوجدت في المجتمع الذي يخاف من الذم وسلاطة اللسان مجالًا أوسع للانتشار، بعيدًا عن ضوابط الرقابة التقليدية.
ويجب التمييز بوضوح بين شقّين:
أولًا: الصنعة
هي الدور الاحتفالي والاقتصادي الذي يضطلع به رجل يتأنث في اللباس والحركة والكلام، ليؤدي خدمات في الأعراس والمناسبات الاجتماعية المختلفة مقابل أجر. ويُنظر إلى هذا الدور، في الخطاب الاجتماعي المحافظ، بوصفه مذمومًا في ذاته؛ لأنه يمس صورة الرجولة، ويشوّه بهجة المناسبات، ويحوّل المظهر الأنثوي إلى مصدر رزق، بما يكرّس الانحلال تحت غطاء «العمل». ويصرّ كثير من ممارسيه على أنه مجرد مهنة، غير أن التجربة تدل على أنه غالبًا ما يشكّل مدخلًا سهلًا إلى ما هو أسوأ.
ثانيًا: المثلية
هي الانجذاب الجنسي أو الممارسة الجنسية بين أفراد الجنس نفسه. وقد جرّمها القانون الموريتاني صراحة في المادة 308 من قانون العقوبات لعام 1983، حيث يعاقب الرجل المسلم بالرجم، وتعاقب النساء بالسجن من ثلاثة أشهر إلى سنتين مع غرامة.
ومع أن العقوبة القصوى متوقفة عمليًا منذ عقود، فإن الحظر القانوني والاجتماعي لا يزال قائمًا. وفي يناير 2020، اعتُقل عشرة أشخاص بعد تداول مقطع فيديو لحفل وُصف بأنه زفاف مثلي، وصدر الحكم على ثمانية منهم بالسجن بتهمتي الفاحشة والتحريض.
تظل ظاهرة «الكوردجيگنات» أو «گوردگنات» في موريتانيا ظاهرة مركّبة، ليست مجرد سلوك فردي، بل بنية رمزية واقتصادية هجينة، تعيد تشكيل العلاقة بين الجسد، والمهنة، والفرجة، والهامش. ومن ثمّ، فإن أي مقاربة جدية لها ينبغي أن تميّز بين الدور الاحتفالي والاقتصادي، وبين الفعل الجنسي المجرّم قانونًا؛ إذ إن الخلط بينهما يُفسد التحليل، ويُغلق باب المعالجة العقلانية. كما ينبغي ألّا يُسمح لخطاب الرفض الأخلاقي بأن يتحول إلى تغطية على أسئلة أعمق: كيف تنتج المدينة هوامشها؟ وكيف تتحول الحاجة الاقتصادية إلى قناة لتفكيك الصور التقليدية للرجولة؟ وكيف يواجه المجتمع ظاهرة تستمد قوتها من الاختفاء تحت غطاء الفن والمناسبة والعمل؟ إن معالجة الظاهرة، إن أُريد لها أن تكون ناجعة، تقتضي مزيجًا من الصرامة القانونية، والوعي الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية، والتربية على الحدود بين الحرية والمسؤولية، دون إلغاء لأي منها.
ظاهرة (الرجل _المرأة ) أو التأنث بين الرفض والقبول
